فراس السواح
عندما أوقع الشيطان بيهوه: قراءة في سفر أيوب
في تقديمنا للاهوت إبليس الملاك الساقط (راجع مقالاتنا السابقة)، قلنا إن شخصية الشيطان تكاد أن تكون غائبة عن التوراة العبرانية. فهو لا يظهر إلا مرات قليلة حيث يتخذ دور التابع ليهوه، المنفذ لأوامره في معظم الأحيان. ولعل السبب في بقاء الشيطان في دائرة الظل، هو كون الخير والشر وجهان متكاملان للإله التوراتي، فهو صانع الخير وصانع الشر في آنٍ معاً. وها هو النبي إشعيا يقدم لنا خلاصة تجربة شعب التوراة مع إلهه: "أنا الرب وليس آخر. مصور النور وخالق الظلمة، صانع السلام وخالق الشر. أنا صانع كل هذا." (إشعيا 76:45). ونقرأ في سفر يشوع بن سيراخ: "الخير والشر، الحياة والموت، الفقر والغنى من عند الرب" (14:11). ونقرأ في سفر التثنية: "أنا هو الرب وليس إله معي. أنا أميت وأحيي. سحقت وإني أشفي، وليس من يدي مخلّص. إني أرفع يديَّ إلى السماء وأقول: حي أنا إلى الأبد. إذا سللت سيفي البارق وأمسكتْ بالقضاء يدي، أرُدُّ نقمة على أعدائي وأجازي مبغضيَّ. أُسكر سهامي بدمٍ، ويأكل سيفي لحماً بدم القتلى والسبايا ومن رؤوس قوات العدو." (39-42).
وبذلك يجمع الإله اليهودي إلى نفسه مهام الإله ومهام الشيطان، ويلعب الدورين ببراعة، على الرغم من أن العناصر الشيطانية في شخصيته تطغى على العناصر الإلهية. فأي إله هذا الذي تسكر سهامه بالدم ويأكل سيفه اللحم مغمساً بدم القتلى والسبايا، ويأكل من رؤوس قوات العدو؟ وأي إله هذا الذي يصفه كاتب المزامير بالعملاق الذي تعتعه السُكر فراح يضرب ذات اليمين وذات الشمال: "ثم استيقظ الرب كنائم، ومثل الجبار الذي رانت عليه الخمر، فضرب أعداءه إلى الوراء، جعلهم عاراً أبدياً." (المزمور 65:78-66). وهل هو إله أم تنين ذلك الذي يخرج من أنفه دخان، ومن فمه نار: "ارتجت الأرض وارتعشت، أسس الجبال ارتعدت وارتجت لأنه غضِب. صعد دخان من أنفه، ونار من فمه أكلت. جمر اشتعل منه." (المزمور 7:18-8). وأي إله هذا الذي تحف به كلما خرج الأوبئة والحمى: "قدامه ذهب الوباء وعند رجليه خرجت الحمى. وقف وقاس الأرض، نظر فرجف الأمم، ودُكت الجبال الدهرية." (حبقوف 4:3-6).
ولكن على الرغم من ضآلة دوره، فإن الشيطان لم يكن غائباً تماماً. وهو يظهر كشريك ليهوه أحياناً أو كتابع له في أحيان أخرى يوكله بتنفيذ مهام معينة. ففي الأسفار الخمسة الأولى يدعى بالاسم عزازيل، ويبدو أشبه بالجن التي تسكن البوادي والقفار، وهو يقتسم قربان الخطيئة مع يهوه. نقرأ في سفر اللاويين: "ويأخذ هرون التيسين ويوقفهما أمام الرب لدى باب خيمة الاجتماع، ويلقي على التيسين قرعتين قرعة للرب وقرعة لعزازيل. ويُقرِّب هرون التيس الذي خرجت عليه القرعة للرب ويعمله ذبيحة خطيئة، وأما التيس الذي خرجت عليه القرعة لعزازيل فيوقف حياً أمام الرب ليكفّر عنه ليرسله إلى عزازيل إلى البرية" (5:16-10).
وبدءاً من سفر القضاة نجد المحرر التوراتي يستخدم الاسم "بَليعال" للدلالة على الشيطان، والذي يعني بالعبرية عديم الفائدة. نقرأ في سفر القضاة عن سبط بنيامين الذي كان رجاله لوطيين يصطادون الغرباء ويعتدون عليهم جنسياً: "وفيما هم يطيبون إذا برجال المدينة، رجال بني بليعال، أحاطوا بالبيت قارعين الباب، وكلموا الرجال صاحب البيت، الشيخ، قائلين: أَخرج الرجل الذي دخل بيتك فنعرفه (= نضاجعه)، فخرج إليهم الرجل صاحب البيت وقال لهم: لا يا إخوتي لا تفعلوا شراً، بعدما دخل هذا الرجل بيتي لا تفعلوا هذه القباحة." (22:19-23). وقد ورد الاسم بليعال للدلالة على الشيطان أيضاً في بعض مواضع العهد الجديد: نقرأ في إحدى رسائل بولس الرسول: "وأية شِركة للنور مع الظلام، وأي اتفاق للمسيح مع بليعال." (2 كورنثة 14:6-15). كما استخدمت الأسفار التوراتية غير القانونية الاسم بليعال أحياناً في الإشارة إلى الشيطان، وكذلك نصوص البحر الميت (قمران).
وقد يشير المحرر التوراتي إلى الشيطان تحت أسماء مختلفة. فهو "المهلك" الذي يرسله يهوه في مهمات القتل والدمار. نراه في صحبته عندما مر على بيوت المصريين ليضربها في سفر الخروج، وذلك بعد أن أمر العبرانيين بوضع إشارة مميزة على بيوتهم مرسومة بالدم لكي يميزها عن بيوت المصريين: "فإن الرب يجتاز ليضرب المصريين، فحين يرى الدم على العتبة العليا والقائمتين يعبر الرب عن الباب ولا يدع المهلك يدخل بيوتهم ليضرب." (الخروج 23:12).
ونقرأ في سفر إشعيا أن يهوه قد خلق المهلك لمهام الخراب والتدمير: "وأنا خلقت المهلك ليُخرِّب." (16:54). وبه يهدد النبي إرميا أهل يهوذا وإسرائيل: "قد صعد الأسد من غابته، وزحف مهلك الأمم، خرج من مكانه ليجعل أرضك خراباً. تخرب مدنك فلا ساكن." (7:4). والنبي ناحوم يعد الشعب بكف أذى المهلك: "هوذا على الجبال مبشر منادٍ بالسلام: عيدي أعيادك يايهوذا، أوفي نذورك. فإنه لايعود يَعبر فيك المهلك أيضاً." (15:1).
وهو "الروح الردي" الذي يرسله يهوه فيتلبس من يخطيء أمامه. وقد أرسل مثل هذا الروح فحل في جسد الملك شاؤل بعد خطيئته: "وذهب روح الرب من عند شاؤل وبَغته روح رديء من قبل الرب." (صموئيل الأول 14:16). "وكان في الغد أن الروح الرديء من قبل الرب اقتحم شاؤل وجن في وسط البيت." (صموئيل الأول 10:18). وكان يسوع فيما بعد يُخرج مثل هذه الأرواح الرديئة من أجسام المجانين فيشفون. وهم يدعون في العهد الجديد بالأرواح النجسة والأرواح الشريرة والشياطين.
وهو الوبأ والحمى اللذان يسيران أمام إله الغضب: "جلاله غطى السماوات والأرض امتلأت من تسبيحه. وكان له لمعان كالنور. قدامه ذهب الوبأ، وتحت رجليه خرجت الحمى... بغضب خطرتُ في الأرض، بسخط دست الأمم." (حبقوق 3:3-12). وعندما يُذكر باسمه " الشيطان"، وهو بالعبرية الساكنة "شطن" أي المقاوم المعاند، نجده واحداً من بطانة يهوه الخاصة والمقربة، مكلفاً بأداء مهام شريرة يوكله بها الرب. ولكنهما قد يتفقان أحياناً وقد يختلفان. ففي المزمور 109، نجد كاتب المزمور يدعو ربه لكي يقيم من عنده شيطاناً على خصمه يفسد عليه حياته: "فأقم عليه شريراً، وليقف شيطان عن يمينه. إذا حوكم فليخرج مذنباً، وصلاته فلتكن خطيئة" (6-9). وفي سفر زكريا نجد الرب ينتهر الشيطان لأنه واقف عن يمين الكاهن يهوشع ليقاومه: "وأراني الملاك الكاهن العظيم يهوشع قائماً قدام الرب، والشيطان قائم عن يمينه ليقاومه. فقال الرب للشيطان: لينتهرك الرب يا شيطان، لينتهرك الرب الذي اختار أورشليم." (1:3-2).
في سفر أيوب نجد أطول نص في كتاب التوارة، وأكثرها تفصيلاً، بخصوص شخصية الشيطان ومهامه. فهو ملاك أسود موكل من قبل يهوه بأمر الشر، ويجول في الأرض يستقي أخبارها ويرفع تقاريره إلى معلمه. ولكنه على الرغم من تبعيته الظاهرية فإنه قادر على خداع سيده، ودفعه لاتخاذ قرارات غير صائبة بناءً على معلومات كاذبة يقدمها إليه. وهذا ما حصل للعبد الصالح أيوب.
كان أيوب رجلاً كاملاً ومستقيماً، وصاحب ثروة واسعة، على حد وصف مطلع السفر: "وكان هذا الرجال كاملاً ومستقيماً، يتقي الله ويحيد عن الشر... وقد ولد له سبعة بنين وثلاث بنات، وكانت مواشيه سبعة آلاف رأس من الغنم، وثلاثة آلاف جمل، وخمسمئة فدان بقر، وخمسمئة أتان، وخدمه كثيرون جداً. فكان هذا الرجل أعظم بني المشرق." (1:1-3). وفي أحد الأيام جاء الملائكة ليمثلوا أمام الرب، وجاء الشيطان أيضاً معهم: "وكان ذات يوم أنه جاء بنو الله ليمثلوا أمام الرب وجاء الشيطان أيضاً في وسطهم. فقال الرب للشيطان: من أين جئت؟ فأجاب الشيطان الرب وقال: من الجَوَلان في الأرض والتمشي فيها" (6:1-7). هنا يتذكر يهوه عبده الصالح أيوب ويأمل ألا يكون الشيطان عازماً على مسه بسوء: "فقال الرب للشيطان: هل جعلت قلبك على عبدي أيوب؟ لأنه ليس مثله في الأرض رجل صالح كامل ومستقيم، يتقي الله ويحيد عن الشر." (8:1). عند ذلك يبدأ الشيطان مكيدته لأيوب، فيوحي إلى يهوه بأن تقوى الرجل ليست تعبيراً عن كماله، وإنما هي نتاج موقف نفعي، لأن الرب قد أغدق عليه ووهبه ما لم يهب لغيره، فإذا مسَّه ضرٌ من ربه فسوف يكفر به: "فأجاب الشيطان: هل مجاناً يتقي أيوب الله؟ أليس إنك سيَّجتَ حوله وحول بيته وحول كل ما له من كل ناحية، باركت أعمال يديه فانتشرت مواشيه في الأرض؟ ولكن أبسط يدك الآن ومُسّ كل ما له من كل ناحية فإنه يجدف عليك." (9:1-11). هنا يتضح بجلاء عدم اتصاف يهوه بواحدة من أهم صفات الله، ألا وهي المعرفة الكلية، لأن الشك يداخله في أمر أيوب ويرغب في معرفة خبيئة نفسه، فينقاد لأحابيل الشيطان ويعقد الطرفان بينهما رهاناً. تُرى هل سيكفر أيوب إذا زالت النعم التي أغدقها عليه إلهه؟ هنا يُسلم يهوه عبده الصالح أيوب إلى الشيطان ليفعل به ما يريد: "هوذا كل ما له في يدك. وإنما إليه لا تمد يدك (أي لا تقتله)" (12:1). وقد كان أحرى بيهوه أن يرجع إلى معرفته الإلهية الكلية، إذا كان لديه منها أدنى نصيب، ليعرف خبيئة نفس أيوب، بدلاً من توظيفه للشيطان والاتكال عليه.
وهكذا أُطلقت يد الشيطان في أيوب ليُنزل به ما شاء من المصائب. ففي يوم واحد سُرقت أبقاره وجماله، وقتل اللصوص عبيده جميعاً، وسقطت نار من السماء فأحرقت قطعان غنمه، ثم سقط البيت على أولاده فماتوا جميعاً: "فقام أيوب وجزَّ شعر رأسه وخرَّ على الأرض وسجد وقال: عرياناً خرجت من بطن أمي وعرياناً أعود إلى هناك. الرب أعطى والرب أخذ. فليكن اسم الرب مباركاً. في كل هذا لم يخطيء أيوب ولم ينسب لله جهالة." (12:1-22).
بعد ذلك يأتي الشيطان للمثول أمام الرب مرة أخرى، فيعاتبه الرب على دسيسته لأن أيوب لم يخطيء ولم يجدف على الرغم مما حل به من المصائب: "إلى الآن هو متمسك بكماله، وقد هيجتني عليه لأبتلعه بلا سبب." (1:2-2). فيقترح الشيطان أن يستمر الاختبار، وأن يطال الأذى هذه المرة أيوب في جسمه وصحته بعد أن طاله في أملاكه وعائلته. فينساق يهوه مرة أخرى لإغواء الشيطان الذي يباشر عمله فوراً: "فخرج الشيطان من حضرة الرب وضرب أيوب بقرح رديء من باطن قدمه إلى هامته. فأخذ شقفة ليحتك بها وهو جالس في وسط الرماد. فقالت له امرأته: أنت متمسك بعد بكمالك. بارك الله ومت. فقال لها: تتكلمين كلاماً كإحدى الجاهلات. أنقبل الخير من عند الله والشر لا نقبل؟ في كل هذا لم يخطيء أيوب بشفتيه." (4:2-13).
ولكن يهوه وقد أمتعته اللعبة الآن يزداد إمعاناً في تعذيب أيوب الذي تشتد عليه الأوجاع الجسدية والشقاءات الروحية، فيرفع عقيرته بالشكوى وطلب العدل من إله لا يعرف مثل هذا المصطلح: "أبحرٌ أم تنين أنا حتى جعلت علي حارساً. إن قلتُ فراشي يعزيني وينزع كربتي، تريعني بأحلام وترهبني برؤى... كُفَّ عني الآن لأن أيامي نفحة. ما هو الإنسان حتى تعتبره وحتى تضع عليه قلبك، وتتعهده كل صباح، وفي كل لحظة تمتحنه؟ حتى متى لا تلتفت عني ولا تريحني ريثما أبلع ريقي؟ هل أخطأت؟ ماذا أفعل لك يا رقيب الناس، لماذا جعلتني عاثوراً لنفسي حتى أكون على نفسي حِملاً؟" ولكن هذه الشكوى تذهب هباءً لأن يهوه هو الخصم والحكم ومن من أحد يحاسبه عن أعماله: "ذاك الذي يسحقني بالعاصفة ويُكثّر جروحي بلا سبب، لا يدعني آخذ نَفَسي ولكن يشبعني مرائر، إن كان من جهة القوة يقول هآنذا، وإن كان من جهة القضاء يقول من يحاكمني؟... أنا مستذنَب فلماذا أتعب عبثاً... لأنه ليس هو إنسان مثلي فأجاوبه فنأتي جميعاً إلى المحاكمة. ليس بيننا مُصالح يضع يده على كلينا." (29:9-33). "أفهمني لماذا تخاصمني؟... يداك كونتاني وصنعتاني كلي جميعاً، أفتبتلعني؟... كُف عني قبل أن أذهب ولا أعود، إلى أرض ظلمة وظل موت." (1:10-21).
ولكن إعلان البراءة من جانب أيوب، وثباته على توكيد حقه أمام إلهه، لا يزيد هذا إلا تعنتاً. وهاهو يخاطبه مستعرضاً قوته أمام هذا الإنسان الضعيف القاعد فوق كومة رماد بين أطلال بيته المهدم يحك قروحه بكسرة فخار: "فأجاب الربُ أيوبَ من العاصفة وقال: من هذا الذي يظلم القضاء بكلام بلا معرفة؟ اشدد حقويك الآن كرجل، فإني أسألك فتُعْلمني: أين كنتَ حين أسستُ الأرض؟ أَخبرْ إن كان عندك فهم، من وضع قياسها أو مَدَّ عليها مطماراً؟ على أي شيء قرَّ قواعدها، أو من وضع حجر زاويتها عندما ترنمتْ كواكب الصبح معاً وهتف جميع بني الله." (1:38-6). وبعد خطبة طويلة يتباهى فيها يهوه بكل ما صنعت يداه، يتقدم أيوب بإجابة مقتضبة تنم عن اليأس من الاحتكام لإله يعتبر نفسه فوق الواجبات الأخلاقية: "فأجاب أيوب الرب وقال: ها أنا حقير بماذا أجاوبك؟ وضعتُ يدي على فمي. مرة تكلمتُ فلا أجيب، ومرتين فلا أزيد." (2:40-4).
هذه الإجابة المختصرة تدعو يهوه إلى ثورة عارمة أقوى من الأولى. لأنه يرى في ثناياها اتهاماً مبطناً من قبل أيوب: "فأجاب الرب أيوب من العاصفة فقال: الآن اشدد حقويك كرجل، أسألك فتُعْلمني. لعلك تناقض حكمي، تستذنبني لكي تتبرر أنت!!" (6:40-8). ثم يعود إلى استعراض قوته مستعيداً مشاهد معروفة في مواضع أخرى من الأسفار التوارتية، تظهر صراعه الظافر مع الوحوش والتنانين البحرية مثل لواياتان وبهيموت ورهب: "هل لك ذراع كما لله، وبصوت مثل صوته تُرعد؟... أتصطاد لواياتان بشصٍ أم تضغط لسانه بحبل؟... من يفتح مصراعي فمه؟ دائرة أسنانه مرعبة... عطاسه يبعث نوراً وعيناه كهدب الصبح. من فمه تخرج مصابيح شرار، نار تتطاير منه... إلخ" (9:40 و 1:41-21).
بعد أن ينتهي يهوه من خطبته الطويلة الثانية هذه، يدرك أيوب أخيراً أن إلهه لا ينطلق في تصرفاته من أي قاعدة أخلاقية، بل من إحساسه بالتفوق والسلطة المطلقة، وأنه لا يطلب من عباده إلا اعترافاً تاماً بهذا التفوق، ولا فائدة ترجى من تذكيره بالعدل والإنصاف. من هنا يعمد أيوب إلى صياغة إجابته الأخيرة بطريقة تنسجم مع نظرة يهوه إلى نفسه، وبذلك يُفلح في كسب قضيته: "فأجاب أيوبُ الربَ فقال: قد علمتُ أنك تستطيع كل شيء ولا يعسُر عليك أمر... قد نطقتُ بما لم أفهم بعجائب فوقي لم أعرفها... بسمع الأذن قد سمعت عنك والآن رأتك عيني. لذلك أرفض وأندم في التراب والرماد." (1:42-5).
لا تحتوي كلمات أيوب الأخيرة على أي عرض لحقٍ أو احتكام لعدل أو تذكير بالقواعد الأخلاقية، بل إنها تبدي خضوعاً كاملاً وغير مشروط لجبروت إله كان أيوب يسمع به وبعجائبه، ولكنه رأى بعد ذلك عجائبه بأم عينه. ولهذا يهدأ غضب يهوه ويقرر الرأفة بأيوب، فيعيد إليه كل ما سُلب منه: "وزاد الرب على كل ما كان لأيوب ضعفاً. فجاء إليه كل إخوته وكل أخواته وكل معارفه وأكلوا خبزاً في بيته، ورثوا له وعزوه عن الشر الذي جلبه الرب عليه. وبارك الرب آخرة أيوب أكثر من أولاه... وعاش أيوب بعد ذلك مئة وأربعين سنة، ورأى بنيه وبني بنيه إلى أربعة أجيال." (1:42-17).
لقد تفوق أيوب أخلاقياً على إلهه. ولكن من يعيد إليه كرامته الإنسانية التي هُدرت على يد إله يدَّعي أنه أسس الأرض ورفع السماء، ولكنه لا يملك الحد الأدنى من المعرفة التي تمكنه من الإطلاع على فؤاد أيوب ليتأكد من صحة ادعاء الشيطان.
************
نقلا عن موقع النادي
"شكرا لك":
*