تحياتي والسلام لكم جميعاً،
تواضعْ تكنْ كالنجم لاحَ لناظرٍ على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تكُ كالدخــــان يعلو بنفسه إلى طبقـــات الجو وهو وضيع
ملأى السنابل ينحنين تواضعاً والفارغـــات رؤوسهن شوامخ
تواضع من مجــد له وتكـــرّمَ وكل عظيـــم لا يحب التعظمــا
"قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ السُّقُوطِ تَشَامُخُ الرُّوحِ." - أمثال 16 : 18.
"فَتَوَاضَعُوا تَحْتَ يَدِ اللهِ الْقَوِيَّةِ لِكَيْ يَرْفَعَكُمْ فِي حِينِهِ" - 1بطرس 5 : 6. نعم! كما تغنى بعض الشعراء بروح الإعجاب والفخر على غيرهم، تغنى آخرون بأهمية التزام روح التواضع نحو أخيهم الإنسان. إلا أن التغني بالأمر شيء، وعيش الواقع شيء آخر كلياً. فمن بحثنا أدناه سندرك بلا شك كم هو صعب الوصول إلى حد التزيّـن بروح الوداعة والتواضع وحتى التصاغر.
كما قلنا أعلاه، رأى يسوع المسيح ضرورة زرع تلك البذرة في أتباعه، آملاً منهم أن يتمكنوا من إنتاج ثمرها بالرغم من تحديات مجتمعهم وميولهم الطبيعية. لكنه كان صبوراً جداً ومتأنياً عليهم. واستعمل أساليب وطرق عملية مختلفة لإيصال الدرس إلى قلوبهم. إلا أنه كان يضطر كل مرة لتكرار النقطة. تعالوا معي ورافقوني في سيري بين سطور الأناجيل لنرى سوية ما حال أتباعه الـ 12 فيما يختص بتنمية تلك الصفة. جدير بالذكر أن الأمر لم يكن ثورة من يسوع المسيح على عادات المجتمع الديني اليهودي فقط. بل أيضاً ثورة على دوافعنا وطبيعتنا البشرية وعاداتنا وخلفياتنا أينما كنا على الأرض ومهما كانت أصولنا.
سنبدأ بحادثة صارت مع يسوع وتلاميذه أثناء سيرهم إلى مدينة كفرناحوم. فيبدو أن التلاميذ كانوا يتجادلون في الطريق في من هو الأعظم بينهم. كان يسوع المسيح يسمعهم، وربما متظاهراً وكأنه مشغول فقط بالسير من أجل الوصول. لكنه فاجأهم عندما وصلوا ودخلوا إلى البيت، إذ سألهم: "بماذا كنتم تتكالمون؟" فسكتوا. وهنا دل سكوتهم أنهم أحرِجوا وارتبكوا لسبب علمهم أن الروح التي يشجعهم على تنميتها هي تماماً عكس ما أظهروا. تعالوا نتابع الرواية:
"وَجَاءَ إِلَى كَفْرِنَاحُومَ. وَإِذْ كَانَ فِي الْبَيْتِ سَأَلَهُمْ: «بِمَاذَا كُنْتُمْ تَتَكَالَمُونَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فِي الطَّرِيقِ؟»
فَسَكَتُوا، لأَنَّهُمْ تَحَاجُّوا فِي الطَّرِيقِ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ فِي مَنْ هُوَ أَعْظَمُ.
فَجَلَسَ وَنَادَى الاثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ: «إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ أَوَّلاً فَيَكُونُ آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِمًا لِلْكُلِّ».
فَأَخَذَ وَلَدًا وَأَقَامَهُ فِي وَسْطِهِمْ ثُمَّ احْتَضَنَهُ وَقَالَ لَهُمْ:
«مَنْ قَبِلَ وَاحِدًا مِنْ أَوْلاَدٍ مِثْلَ هذَا بِاسْمِي يَقْبَلُنِي، وَمَنْ قَبِلَنِي فَلَيْسَ يَقْبَلُنِي أَنَا بَلِ الَّذِي أَرْسَلَنِي»." – مرقس 9 : 33 – 37.
نلاحظ هنا أن يسوع المسيح لم يكتفِ بإعطاء الدرس بشكل شفهي. لقد دعم درسه بشكل عملي كي يطبع بشكل أعمق أهمية تنمية صفة الإتضاع. لقد أخذ صبياً صغيراً أمام أعينهم كي يروه ويتعلموا الدرس من ذلك المثال. فيا تلاميذي، تذكروا أن الطفل الصغير ينظر إلى الكبار كمرشدين له وكأهل للتقدير والإحترام وهم الأهم بالنسبة له. هكذا أنتم أيضاً يجب أن تنموا روح النظر إلى الآخر وكأنه أفضل منكم.
هل كان ذلك الدرس واضحاً؟
طبعاً! فلا أحد يمكن أن ينسى كيف ضم يسوع ذلك الطفل ليشير إليه أثناء تحدثه إليهم بهذا الخصوص.
لكن، هل حسّنوا سلوكهم بعد ذلك تطبيقاً لإرشادات معلمهم؟
حسناً! سنعرف ذلك مما جرى معهم بعد وقت ليس بطويل من رواية كفرناحوم، إي في الأسبوع الأخير من حياة يسوع. كان ذلك أثناء ذهابهم إلى أورشليم من أجل الإحتفال بالفصح. وهنا يتقدم اثنان من تلاميذه الـ 12، يعقوب ويوحنا (وهما أخوان)، ويطلبان من يسوع أن يكونا ذوي حظوة خاصة أكثر من بقية التلاميذ عندما يجلس على كرسيه كملك. تعالوا نتابع الرواية معاً كما يرويها لنا مرقس في إنجيله:
"وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا ابْنَا زَبْدِي قَائِلَيْنِ:«يَا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ لَنَا كُلَّ مَا طَلَبْنَا».
فَقَالَ لَهُمَا:«مَاذَا تُرِيدَانِ أَنْ أَفْعَلَ لَكُمَا؟»
فَقَالاَ لَهُ:«
أَعْطِنَا أَنْ نَجْلِسَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِكَ فِي مَجْدِكَ».
فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ:«لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ! . . .
وَأَمَّا الْجُلُوسُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ إِلاَّ لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَهُمْ».
وَلَمَّا سَمِعَ الْعَشَرَةُ ابْتَدَأُوا يَغْتَاظُونَ مِنْ أَجْلِ يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا. فَدَعَاهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يُحْسَبُونَ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَأَنَّ عُظَمَاءَهُمْ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ.
فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ عَظِيمًا، يَكُونُ لَكُمْ خَادِمًا،
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ أَوَّلاً، يَكُونُ لِلْجَمِيعِ عَبْدًا.
لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ»." – مرقس 10 : 35 – 45.
إذاً يبدو أن هذين التلميذين لم يتعلما الدرس من رواية كفرناحوم. فقد كررا إظهار نفس روح السعي للتميّز حتى في آخر أسبوع من حياته.
هل كانت المشكلة فقط في هذين التلميذين؟ وهل هما فقط من بين الـ 12 من احتاج لتعلم الدرس؟
للأسف، لا! فالدرس كانوا جميعهم بحاجة إلى تكراره. ودليل ذلك الكلمات التي قيلت في نفس الرواية في العدد 41 والذي قال: "وَلَمَّا سَمِعَ الْعَشَرَةُ ابْتَدَأُوا يَغْتَاظُونَ مِنْ أَجْلِ يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا".
هل اغتاظ البقية العشرة أسفاً على عدم فهم ذينك التلميذين للدرس؟
أبداً! فما تلا يُظهر أنهم اغتاظوا بدافع: "لماذا هو وليس أنا؟"

مما جعل يسوع يضطر لتكرار نفس الكلمات تقريباً، بأن روح الجماعة المسيحية لا يجب أن تكون روح السعي للمراكز والشهرة، وإنما – وبعكس روح العالم – يجب أن تكون روح تنمية الإتضاع والإستعداد لخدمة الآخرين.
بضعة أيام بعد ذلك، يبدو أن يسوع كان يفكر بتلاميذه ليشدد مرة أخرى على أهمية الدرس ذاته عندما تحدث أمامهم عن القادة الدينيين اليهود. نجد كلماته بشكل خاص في إنجيل متى الإصحاح 23:
"يحبون المتكأ الأول في الولائم والمجالس الأولى في المجامع.
والتحيات في الأسواق وأن يدعوهم الناس سيدي سيدي.
وأما انتم فلا تـُـدعَـوْا سيدي لأن معلمكم واحد المسيح وأنتم جميعاً إخوة.
ولا تـَـدعـوا لكم أبـاً على الأرض لأن أباكم واحد الذي في السموات.
ولا تـُـدعَـوْا معلمين لأن معلمكم واحد المسيح.
وأكبركم يكون خادما لكم.
فمن يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع" – متى 23 : 6 – 12.
هل تعلم تلاميذه الدرس بعد ذلك؟
سنرافقهم يومين إضافيين، أي الليلة الأخيرة من حياة يسوع عندما قرروا أن يحتفلوا بعشاء الفصح الأخير. وهنا نجدهم استأجروا عـلّـية كمكان للإحتفال. لكن يسوع رأى أيضاً هذه المرة الحاجة لتكرار نفس الدرس إنما بطريقة مؤثرة أكثر. فماذا حدث؟
حسناً! كانت العادة في تلك الأيام أن يهتم العبيد بغسل أرجل الضيوف القادمين.
لماذا غسل أرجلهم؟
لأن الأحذية المستعملة كانت غالباً مكشوفة، أي ما نسميه الآن بـ "الصندل". فكان الغبار يتكدس على القدمين نتيجة السير في الطرقات المتربة أو الموحلة.
لكن أيضاً، لم يجرِ تكليف أي عبد ليقوم بتلك المهمة. فصاحب البيت كان عادة يختار العبد الأدنى ليقوم بذلك الواجب.
حسناً! جميعهم اليوم كانوا ضيوفاً لأن المكان كان مستأجَراً لا صاحب بيت له ولا عبد فيه.
والـعـمـــــل؟!

لا شيء! فالجميع تجاهلوا قضية غسل الأرجل وذهبوا ليأخذ كل منهم مكانه على المائدة (بخلاف ما كان مألوفاً في عادات مجتمعهم).
نظر يسوع إليهم ورأى الفرصة الآن مناسبة لتكرار الدرس حتى ولو كان ذلك فقط بضعة ساعات قبل موته. تعالوا نتابع الرواية:
"قَامَ عَنِ الْعَشَاءِ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ، وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَاتَّزَرَ بِهَا،
ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَل، وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التَّلاَمِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِالْمِنْشَفَةِ الَّتِي كَانَ مُتَّزِرًا بِهَا.
فَلَمَّا كَانَ قَدْ غَسَلَ أَرْجُلَهُمْ وَأَخَذَ ثِيَابَهُ وَاتَّكَأَ أَيْضًا، قَالَ لَهُمْ: «أَتَفْهَمُونَ مَا قَدْ صَنَعْتُ بِكُمْ؟
أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا، وَحَسَنًا تَقُولُونَ، لأَنِّي أَنَا كَذلِكَ.
فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ،
لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا.
اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ.
إِنْ عَلِمْتُمْ هذَا فَطُوبَاكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ." – يوحنا 13 : 4 و 5 و 12 – 17.
لكن من المؤسف أن نرى بأنه كان مضطراً – وفي نفس الأمسية – وفي نفس المكان – أن يكرر تلك النقطة مرة أخرى. تعالوا نرافق لوقا في روايته:
"وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ أَيْضًا مُشَاجَرَةٌ مَنْ مِنْهُمْ يُظَنُّ أَنَّهُ يَكُونُ أَكْبَرَ." – لوقا 22 : 24.
جـيـد! الآن وبعد تكرار يسوع كلمات مشابهة، نتوقع بأن الدرس وصل إلى القلوب أخيراً.
هل كان كذلك؟
المؤسف أن نرى بأنه كان مضطراً أن يكرر الدرس أيضاً مرة ثالثة في الأمسية ذاتها.
ماذا حدث؟
يسوع يخبرهم بأنه سيجري تسليمه للموت وبأنهم كلهم سيتركونه ويهربون.
يستغرب التلاميذ حكمه عليهم بتلك السلبية!

"ولــــــو! ماذا تقول؟ هذا غير ممكن!"

لكن يندفع الآن بطرس ليؤكد ليسوع أنه يمكن أن يتوقع تلك الخيانة من الجميع ولكن ليس منه هو.
من الجميع ولكن ليس منه هو؟

أوه! فإذاً هو يعتبر نفسه أفضل من غيره.

وهذا يعني أن بطرس كان بحاجة لتكرار الدرس ذاته كي ينمي النظرة المسيحية المتزنة إلى نفسه. تعالوا نأخذ تلك الرواية:
"حِينَئِذٍ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ.
وَلكِنْ بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ».
فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ: «
وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَدًا».
قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ دِيكٌ تُنْكِرُني ثَلاَثَ مَرَّاتٍ».
قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!»
هكَذَا قَالَ أَيْضًا جَمِيعُ التَّلاَمِيذِ." – متى 26 : 31 – 35.
هل بطرس وحده كان بحاجة لتكرار ذلك الدرس؟
للأسف، أيضاً هذه المرة لا! فبقية التلاميذ أظهروا الروح ذاتها إذ شهد متى قائلاً في العدد 35: "هكذا أيضاً قال بقية التلاميذ." يعني كانوا يقولون: حتى وإن شك بك الجميع فأنا سوف لا أشك.
لو كنا مكان يسوع ماذا كنا سنفعل؟ هل كنا سنغضب؟
لقد كان يسوع المسيح معلماً متأنياً وصبوراً. وعرف بأن الميل البشري الطبيعي لا تسهل مقاومته، وبأن تلاميذه سوف لا يتغيرون بين ليلة وضحاها. فالأمر بحاجة للوقت والجهد والتحلي بالروح المسيحية لا بروح العالم. وفعلاً أعطى صبره عليهم ثمراً ذو قيمة. فبالرغم من نقصهم البشري، نراهم عملوا جاهدين لتنمية تلك الروح. روح التواضع وتفضيل الآخرين.
تعالوا نتأمل قليلاً في مثال بطرس بعد ذلك بعدة سنوات. فبطرس كان هو المعـيّـن لقيادة الجماعة المسيحية الباكرة بعد مغادرة يسوع. واهتداء بولس للمسيحية بعد سنوات من صعود المسيح إلى السماء، جعل من بولس أيضاً ذلك المعلم البارز. إلا أن بولس لم يكن واحداً من الـ 12 الذين رافقوا المسيح في نشاطاته والذين اعـتُـبِـروا أعمدة الجماعة الباكرة. وكلنا يعلم (على الأرجح) أن بولس كان قبل اهتدائه يضطهد بعنف تلك الجماعة المسيحية. حتى أنه كان مشجعاً وراضياً برجم أحد البارزين الغيورين فيها – "استيفانوس". (أعمال 8 : 1)
نصل الآن إلى إلى أنطاكية حيث يتظاهر بطرس (أمام بولس) بأنه لا يختلط إلا بالمسيحيين اليهوديي الأصل. يعني يتجنب ظاهرياً الإختلاط بالمسيحيين من أصول غير يهودية. مع أنه هو الذي كان قد كـُلـِّف سابقاً بالتبشير أولاً لهم. وهذا ما دعا أيضاً بقية المسيحيين المرافقين لبطرس أن يعملوا هم أيضاً مثله. وهنا يقوم بولس (الأحدث في المسيحية) بتوبيخ بطرس أمام الجميع، (حتى ولو كان بطرس معتبَراً هو المكلف بعد المسيح برعاية الجماعة المسيحية). يقول بولس:
"لكِنْ لَمَّا رَأَيْتُ أَنَّهُمْ لاَ يَسْلُكُونَ بِاسْتِقَامَةٍ حَسَبَ حَقِّ الإِنْجِيلِ، قُلْتُ لِبُطْرُسَ قُدَّامَ الْجَمِيعِ:«إِنْ كُنْتَ وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ تَعِيشُ أُمَمِيًّا لاَ يَهُودِيًّا، فَلِمَاذَا تُلْزِمُ الأُمَمَ أَنْ يَتَهَوَّدُوا؟»" – غلاطية 2 : 14.
كانت تلك الكلمات التوبيخية العلنية صاعقة لبطرس ولمركزه كراعٍ أول للجماعة المسيحية بعد المسيح. هنا وُضعت روح تواضعه تحت الإمتحان القاسي. فهل قام بالرد على بولس بغضب قائلاً:
"من أنت حتى توبخني؟ هل عرفتَ المسيح ولو دقيقة واحدة؟ هل كلفك المسيح لتكون الراعي الأول؟ هل نسيت أنك كنتَ تضطهدنا وأنك كنت راضياً حتى بموت استيفانوس أحد البارزين بيننا؟"؟

أبداً! فبطرس عرف أنه كان مخطئاً، وعرف أيضاً أنه الآن – وفي هكذا فرصة – عليه أن يبرهن ما كان قد علمهم يسوع المسيح طوال ثلاث سنوات ونصف. والدليل أنه فعلاً نجح في تنمية تلك الصفة، سنراجع كلماته ذاتها بعد فترة من ذلك في إحدى رسائله:
"وَاحْسِبُوا أَنَاةَ رَبِّنَا خَلاَصًا، كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ
أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضًا بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ، كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا، مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هذِهِ الأُمُورِ" – 2بطرس 3 : 15 و 16.
نعم! لقد اعتبر الرسول بولس (الذي وبخه علناً سابقاً) "أخونا الحبيب بولس". فالدرس وصل أخيراً والحمد لله. وكان هذا كفيلاً بتمريره بدوره إلى بقية أتباع يسوع في الجماعة المسيحية.
يـتـبــــــع . . .